المقريزي

113

المقفى الكبير

ليلة بعد أن التقى هو وعلقمة بن عبد الرحمن . فأصبح يوما وقد سقيت خيوله وعلّفت وجمّت فقال لأصحابه : ما ترون ؟ قالوا : الرأي رأيك ، فمرنا بأمرك ! قال : هل لكم أن تدعوا بابن أبي الرغال الليلة ، وذلك بعد ارتفاع الضحى ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين ، قد منع النهار . قال : وإن . فقرط فرسه عنانه ، وقرّطوها أعنّتها ، وسار بهم حتّى دخلوا الكوفة ليلا بعد ما صلّيت العشاء الآخرة ، وهو في مائة وخمسين رجلا ، ومعه امرأته الجهيرة بنت عمرو ، وأمّه غزالة من سبي أصبهان . وكان الحجّاج قد رحل من البصرة ودخل الكوفة بعد العصر ، وتحصّن بالقصر . وفي المسجد أصحاب البرانس يصلّون في السواري ، وقد قامت الأحراس في السّكك ، وخرج حرس الحجّاج إلى المسجد . فأقام شبيب على كلّ باب رجلين ، وأمرهم أن يقتلوا من مرّ بهم . وقال لأمّه وامرأته : اقعدا على المنبر لا يصيبكما أحد بمعرّة . ودخل المسجد فقتل المصلّين ، ومن فرّ قتله الذين على الأبواب ، وأخذ ميمون العذاب مولى حوشب بن يزيد بن رؤيم الشيبانيّ - وكان حوشب يومئذ على الخراج ، وميمون خليفته . فقال له شبيب : أين حوشب ؟ قال : في منزله . فأرسل عدّة من أصحابه ليأتوا به فامتنع ، فأتاه ميمون ، ومعه عدّة من أصحاب شبيب ، فأعلمه بقدوم شبيب فذبحه شبيب وجعل أصحاب شبيب يضربون باب القصر على الحجّاج ، ويقولون : يا عدوّ اللّه ! يا ابن أبي رغال ! يا أخا ثمود ! وفي ذلك يقول عتبان بن وصيلة الشيبانيّ « 1 » أحد أصحاب شبيب [ الطويل ] : لعمري لقد نادى شبيب وصحبه * على الباب لو أنّ الأمير يجيب فأبلغ أمير المؤمنين رسالة * وذو النصح لو يدعى إليه قريب أتذكر إذ دارت عليك رماحنا * بمسكن والكلبيّ ثمّ غريب ؟ فلا صلح ما دامت منابر أرضنا * يقوم عليها من ثقيف خطيب 5 فإنّك إن لا ترض بكر بن وائل * يكن لك يوم بالعراق عصيب فلا ضير إن كانت قريش عدى لنا * يصيبون منّا مرّة ونصيب فإن يك منهم كان مروان وابنه * وعمرو ومنهم هاشم وحبيب فمنّا سويد والبطين وقعنب * ومنّا أمير المؤمنين شبيب ومنّا سنان الموت وابن عميرة * ومرّة ، فانظر أيّ ذاك تعيب فقال عبد الملك بن مروان لمّا بلغته الأبيات : كلامهم واللّه أعجب ! فلمّا طلع الفجر قال شبيب لبعض أصحابه : « أذّن وأقم ! » فأذّن وأقام . وتقدّم شبيب فصلّى بأصحابه ، فقرأ سورة البقرة و [ سورة ] آل عمران حتى كادت الشمس تطلع ، ثمّ جلس وسط المسجد ساعة ، فأقبلت الجيوش فقال لأصحابه : اركبوا . فأمر الحجّاج قوما فقاموا على زوايا المسجد فنادوا : يا خيل اللّه ، اركبي !

--> ( 1 ) في المخطوط : وصيلة بن عتبان ، والإصلاح من إحسان عبّاس : خوارج 182 وقد أضاف بيتين .